الملاذ الأخير أمام سكان غـ ـزة
خاص – نبض الشام
في البيئات المنكوبة، تعود الحاجات الأساسية لتتصدر المشهد بوصفها قضية بقاء لا مجرد تفاصيل حياتية. ومع الانقطاع الحاد لمصادر الطاقة التقليدية، يصبح البحث عن وسيلة لإشعال نار للطهي أو التدفئة تحدياً يومياً يختبر قدرة الناس على الصمود.
في غزة، تحوّل الحطب من مورد بسيط إلى عنصر حيوي ترتبط به القدرة على إعداد وجبة ساخنة أو حماية الأطفال من برد الليل القارس.
مع غياب شبه كامل للغاز المنزلي والكهرباء، لم يعد أمام كثير من العائلات سوى اللجوء إلى الحطب. هذا الخيار، الذي كان في السابق محدود الاستخدام، أصبح اليوم الوسيلة الأساسية للطهي. لكن الحصول عليه ليس سهلاً، فالكميات المتوفرة قليلة، والأسعار في ارتفاع مستمر، ما يجعله عبئاً إضافياً على أسر تعاني أصلاً من الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
لا تقتصر المعاناة على الكلفة المادية، بل تمتد إلى مخاطر حقيقية تهدد الأرواح، بعض الأفراد يضطرون إلى التوجه نحو مناطق خطرة لجمع الأخشاب، في مغامرات محفوفة باحتمالات الإصابة أو الموت. وهكذا يتحول السعي وراء ما يكفي لإشعال موقد بسيط إلى قرار مصيري، يعكس حجم اليأس الذي يدفع الناس للمخاطرة بحياتهم من أجل إطعام عائلاتهم.
مع انخفاض درجات الحرارة ليلاً، تصبح الحاجة إلى النار مسألة تدفئة إلى جانب الطهي. في الخيام والملاجئ المؤقتة، يتسلل البرد بسهولة، ولا تملك العائلات وسائل كافية للعزل أو التدفئة. وهنا يبرز الحطب كخط الدفاع الوحيد ضد ليالٍ قاسية، خصوصاً للأطفال وكبار السن، ما يزيد الضغط على الطلب في ظل شحّ المعروض.
المبادرات المجتمعية التي توفر وجبات للنازحين تواجه بدورها أزمة وقود. إعداد مئات الحصص يومياً يتطلب كميات كبيرة من الحطب، ما يضطر العاملين إلى البحث المستمر في الأسواق والأحياء لتأمين الحد الأدنى اللازم. وحتى عند العثور عليه، تكون الأسعار مرتفعة، ما يهدد استمرارية هذه الجهود الإنسانية الحيوية.
قصة الحطب في غزة ليست مجرد حكاية عن وقود بديل، بل مرآة لأزمة إنسانية أعمق تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية. حين يصبح إشعال نار للطهي إنجازاً بحد ذاته، ندرك أن الكرامة الإنسانية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوافر أبسط مقومات العيش. وبين البرد والجوع والخطر، يواصل الناس تمسكهم بأسباب الحياة، ولو كانت قطعة خشب تشتعل بصعوبة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




